![]() | ||||||||
|
|
10 أرواح تزهق يوميا وخسائر فاقت الـ100 مليار دينار سنويا
يد الإنسان تتفنن في صنع الأحزان بطرقات الجزائر
كاتب المقال: تحقيق: سميرة ملوك
يتفق الجميع على أن هناك مجهودات تبذل من طرف الدولة للتخفيف من عدد حوادث المرور، ورغم فرض الفحص التقني على المركبات كإجراء أولي من جهة، يتضاعف إجرام إرهاب الطرقات من جهة ثانية وكأن المعادلة تسير بصفة تناسبية، وتبقى آلة الموت تحصد أكثـر من عشرة أرواح يوميا و مالا يقل عن 150 جريحا ، فاتورة ثقيلة تدفع على طرقاتنا في غياب العديد من الأطراف التي لها يد في الموضوع .
ارتفع في السنوات الأخيرة عدد حوادث المرور رغم الإجراءات الردعية التي بادرت الدولة باتخاذها وجعلت مصالح الأمن و الدرك الوطني تسهر على تطبيقها بهدف الحد من هذه الحوادث التي أضحت تحصد أرواح الأبرياء بمعدل مواطن من ثلاثة معرض لأن يكون جريحا في حادث مرور و تتسبب في خسائر مادية معتبرة تتكبدها الدولة سنويا ، و إلى جانب هذه الإجراءات جعلت السلطات العمومية منذ سنة 2003 ،المراقبة التقنية للسيارات إجبارية و هي عملية تمس كل المركبات دون استثناء، للقضاء على الأعطاب الميكانيكية التي كثـيرا ما تكون السبب الرئيسي في وقوع حوادث المرور، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو رغم تزايد الإجراءات الوقائية و الردعية من طرف الدولة في السنوات الأخيرة إلا أن حوادث المرور هي الأخرى تعرف تزايدا في الوقت الذي تتظافر كل الجهود بهدف التقليل منها، و بهذا يتبادر إلى الأذهان سؤال: أين يكمن حل هذه المعادلة الصعبة ؟ و من المسؤول عن الارتفاع المذهل لحوادث المرور ؟ ولماذا كانت هذه الحوادث تعرف استقرارا في معدلاتها السنوية قبل فرض عملية المراقبة التقنية على المركبات ؟ انطلاقا من هذه الإشكالية حاولنا البحث عن الأسباب الحقيقية التي خلفت هذه المعادلة العكسية رغم صعوبة التوصل إلى بعضها، و تستر بعض الأطراف على الإدلاء بعديد الحقائق التي سببت الكارثة في الطرقات،
تباهي الشباب بالماركات الجديدة من السيارات و شراء رخص السياقة
من بين أهم الأسباب الرئيسية التي تقف وراء التفشي المذهل لحوادث المرور: العامل البشري بنسبة تقارب الـ 90% ، ومهما اختلفت درجات تدخل هذا العامل في وقوع الحوادث، يأتي في مقدمتها عدم احترام السرعة القانونية و تهور السائقين الذي غالبا ما تكون نتيجة التباهي بنوعية أو قدرة السيارة في تحطيم الرقم القياسي في السرعة الفائقة و كأن سائقها يشارك في "رالي " للسيارات على طريق عادية و حتى وسط المدن أين تكثـر الزحمة المرورية ، بالإضافة إلى أن سهولة الحصول على سيارة باستعمال قرض من طرف بنك معين ، عمق كثـيرا في ثقل المشكلة و أدى إلى ارتفاع عدد السيارات في الحظيرة الوطنية ببلوغها خمسة ملايين سيارة السنة الفارطة ، و من المتعارف عليه أنه كلما ارتفع عدد السيارات تسبب في الاختناق المروري الذي يؤدي إلى وقوع حوادث مرور خطيرة و نتائج لا تحمد عقباها، كما أن من بين الأسباب الحقيقية لوقوع الحوادث هو حصول السائق على رخصة سياقة دون امتحان أو دون المرور على لجنة تعليم السياقة و هو الأمر الذي انتشر كثـيرا مؤخرا، ساعد في ذلك تواطؤ بعض أصحاب مدارس تعليم السياقة مع المترشحين الذين يدفعون بعض الأموال لإسكات هؤلاء في ظل غياب الرقابة على هذه المدارس ،أو تفحص الملف الصحي للمترشح بما فيها الشهادة الطبية التي تثبت سلامة النظر .
بعض وكالات المراقبة تغمض عينيها عن أعطاب السيارات
تتمثل أبرز المجهودات المتخذة من طرف الدولة خلال الأربع سنوات الأخيرة في فرض الفحص التقني على جميع المركبات بمقتضى القانون 16/04 المعدل والمتمم للقانون 14/01 ، كما أصبح لابد لكل مركبة أن تتوفر على محضر للمراقبة التقنية الذي يعتبر وثيقة إدارية إجبارية يقدمها صاحب السيارة أمام نقاط التفتيش، و يبلغ عدد المركبات الخاضعة لعملية المراقبة التقنية منذ فيفري 2003 و إلى غاية سبتمبر الماضي ما يفوق خمسة ملايين سيارة من كل الأصناف توزعت عبر 157 وكالة مراقبة متواجدة على مستوى التراب الوطني و تمت المراقبة عبر مراحل حسب عمر السيارة وينتظر أن تعمم هذه العملية على كامل الحظيرة الوطنية بداية من جوان 2008 ، و في هذا الإطار لا يمكن لأي أحد إغفال الدور الفعال الذي لعبته عملية المراقبة التقنية في التقليل من حوادث المرور من خلال فحص جميع الجوانب التقنية للسيارة و تأثيرها على المحيط الخارجي بما فيها نسبة التلوث ، إلا أنه ورغم هذا يبقى مخطط حوادث المرور في تزايد و هنا تجدر الإشارة إلى الحديث عن وكالات المراقبة التي لا تحترم الشروط القانونية أو بصفة أدق يغمض أصحابها أعينهم عن بعض الأعطاب التقنية التي تحتوي عليها السيارة هذا دون علم السائق أو بالتواطؤ معه حتى يتجنب هذا الأخير فاتورة استبدال و إصلاح الخلل و عناء عرض مركبته مرة ثانية أمام الوكالة بعد ذلك للتأكد من زوال العطب الميكانيكي ، وفي سياق متصل وأمام هذه التجاوزات قرر وزير النقل محمد مغلاوي غلق ست وكالات مراقبة بعد ثبوت عدم احترامها للشروط القانونية التي حددتها الدولة في هذا المجال ، و بالتالي تم العثور على مصدر الثغرة التي تسببت من جهة في حوادث و جعلت المواطن يتساءل عن جدوى احترام القانون و عرض سيارته على مصالح المراقبة إن كانت هي الأخرى لا تحترم القانون، و على العموم أصبح المواطن الجزائري حاليا أكثـر وعيا مما سبق بضرورة إخضاع مركبته لعملية المراقبة التقنية هذا حفاظا على سلامته و على سلامة الآخرين من ركاب و مشاة .
تماطل، تهرب ووقوع في قبضة مصالح الأمن
تجمع معظم وكالات المراقبة التقنية للسيارات المتواجدة عبر التراب الوطني على أن بعض أصحاب السيارات الذين سبق لهم وأن عرضوا مركباتهم على هذه الأخيرة للمراقبة وتبين أن هاته السيارات تتخللها أعطاب و يفترض على صاحبها إصلاحها خلال مدة زمنية معينة تمنحها الوكالة ، يتماطل هذا الأخير ويمتنع عن إصلاح المركبة بحكم أن المصاريف مكلفة و يتجاهل مواطن العطب لأنها غير مهمة في نظره ولا تؤثر كثـيرا على سير المركبة مثلا من حيث الأضواء وهو ما يجعل السائق يقع في قبضة مصالح الأمن أو الدرك الوطني وتساق السيارة إلى المحشر ويضطر صاحبها إلى دفع غرامة مالية، وحسب الإحصائيات المتحصل عليها من طرف المؤسسة الوطنية للمراقبة التقنية للسيارات فإن نسبة 5.3 بالمائة من السيارات تتقدم للراجعة التقنية بعد إصلاح أعطابها الميكانيكية، و هي نسبة ضئيلة مقارنة بالعدد الإجمالي للمركبات التي يتم فحصها ، وهي الأسباب التي لايتفطن لها السائق وتؤدي إلى حوادث مرور مميتة .
إغراق السوق الوطنية بقطع غيار مقلدة سبب الكارثة
تمثل السيارات المستوردة و التي يقل عمرها عن ثلاث سنوات عاملا هاما في وقوع حوادث المرور جراء قطع الغيار التي تستعمل في هذه الأخيرة و المتعلقة بالأطر و كذا الفرامل، و في هذا الإطار وضعت الدولة شروطا لتنظيم استيراد هذا النوع من المركبات منذ سبتمبر 2005 ، و يبلغ عدد أصناف السيارات التي تدخل أرض الوطن 21 صنفا وهو ما جعل الجزائر في السنوات الأخيرة تنفتح على سوق السيارات العالمية على اختلاف ماركاتها و ما يصاحبها من قطع غيار ، إلا أن الشق الأخير من هذه المعادلة و المتعلق بقطع الغيار شكل خطرا حقيقيا و احتل مرتبة لا يستهان بها من حيث ترتيب الأسباب المؤدية إلى وقوع حوادث المرور و على هذا الأساس قررت السلطات منع استيراد هذا النوع من القطع المستعملة و كذا مختلف أنواع أكسسوارات السيارات و كذا تفعيل سبل الرقابة على مختلف نقاط بيع هذه السلع، و مما ساعد على سهولة استعمال المواطن لقطع الغيار المقلدة هو تستر بعض أصحاب وكالات المراقبة عن الأمر و هو ما جعل وزارة النقل تتخذ إجراءات صارمة بخلق برنامج يبين النتائج التي خلصت إليها وكالة الفحص التقني للسيارة و يرفقها بوثيقة مكتوبة تبين الوضعية الحقيقية للمركبة، و حسب خبراء قطع الغيار فإن الجزائر تصنف في المرتبة الثانية إفريقيا بعد جنوب إفريقيا في إطار التعامل بقطع الغيار المقلدة، كما أن تحرك السلطات لوضع حد لهذه التعاملات انصب في بادئ الأمر حول مراقبة الموزعين المعتمدين و كذا محاولة محو آثار السوق الموازية . بعد سرد معظم الأسباب المؤدية إلى وقوع حوادث المرور و حصد العديد من أرواح المواطنين تظهر الإجابة عن التساؤل المطروح والذي أصبح ينخر ميزانية الدولة التي ما فتئت تواجهه بكل الوسائل و الطرق إلا أن النتيجة الغالبة دائما كانت و ما تزال الارتفاع المذهل في حوادث المرور إلى درجة الوصول إلى تسجيل 112 حادثا يوميا يخلف مالا يقل عن 11 قتيلا و أكثـر من 165 جريحا على مدار كل 24 ساعة بالإضافة إلى خسائر مادية تقدر سنويا بأكثـر من 100 مليار دينار، و تماشيا أيضا مع مستجدات الوضع تسعى وزارة النقل جاهدة إلى اتخاذ إجراءات جديدة ستدخل حيز التنفيذ بداية من السنة المقبلة و تتعلق أساسا بإعادة النظر في منظومة تعليم السياقة التي ستخضع لمناهج الإعلام الآلي مع إلغاء تدخل العامل البشري، هذا لعل و عسى أن تتراجع فاتورة إرهاب الطرقات من جرحى و قتلى بعد دخول هذا الإجراء حيز التطبيق . من جهته أوضح رئيس جمعية طريق السلامة محمد العزوني أن 25 ألف سيارة دخلت إلى أرض الوطن في السنة الفارطة، وهذا يعني زيادة عدد المركبات في الحظيرة الوطنية أي زيادة عدد حوادث المرور المترتبة عنها خاصة إذا كانت هذه السيارات قديمة ، مضيفا أن وكالات المراقبة العمومية تعمل بصرامة أكبر عكس الوكالات الخاصة التي يمكنها أن تغمض عينيها عن بعض الأعطاب التي تتخلل السيارات و بالتالي هي تعمل بين مطرقة الرقابة وسندان عزوف المواطن عن التوجه إليها بسبب صرامة الفحص .
السرعة المفرطة... جنون السُوَّاق...الرادار هو الحل
يتربع الإفراط في السرعة كل سنة على رأس قائمة الأسباب المؤدية إلى وقوع حوادث مرور مميتة أدت بالهيئات الأمنية العاملة في ميدان الأمن والسلامة المرورية إلى دق ناقوس الخطر و محاولة إيجاد السبل والوسائل اللازمة لمكافحة تهور السواق، وإذا كانت مصالح الرقابة التقنية للسيارات غير مسؤولة عن ذلك ، كان الحل هو استعمال الرادار في الكشف عن مخالفات تجاوز السرعة مع الإبقاء على التوعية والردع هو الدعامة الرئيسية في مكافحة هذا العامل، لكن مهما تطورت التكنولوجيا و تشددت العقوبات و كثفت دوريات المراقبة، يبقى وعي هو السائق المحرك الرئيسي لمؤشر معدل حوادث المرور . | |||||||||||||